الأحد، 23 يونيو 2013

وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ

وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)
بالقياس إلى الإنسان:خط السماوات والأرض . يتبعه خط الماء النازل من السماء والثمرات النابتة من الأرض بهذا الماء . فخط البحر تجري فيه الفلك والأنهار تجري بالأرزاق . . ثم تعود الريشة إلى لوحة السماء بخط جديد . خط الشمس والقمر . فخط آخر في لوحة الأرض متصل بالشمس والقمر:خط الليل والنهار . . ثم الخط الشامل الأخير الذي يلون الصفحة كلها ويظللها:
(وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها). .
إنه الإعجاز الذي تتناسق فيه كل لمسة وكل خط وكل لون وكل ظل . في مشهد الكون ومعرض الآلاء .
أفكل هذا مسخر للإنسان ? أفكل هذا الكون الهائل مسخر لذلك المخلوق الصغير ? السماوات ينزل منها الماء , والأرض تتلقاه , والثمرات تخرج من بينهما . والبحر تجري فيه الفلك بأمر الله مسخرة . والأنهار تجري بالحياة والأرزاق في مصلحة الإنسان . والشمس والقمر مسخران دائبان لا يفتران . والليل والنهار يتعاقبان . . أفكل أولئك للإنسان ? ثم لا يشكر ولا يذكر ?
(إن الإنسان لظلوم كفار)!
الله الذي خلق السماوات والأرض . .
وبعد ذلك يجعلون لله أندادا , فكيف يكون الظلم في التقدير , والظلم في عبادة خلق من خلقه في السماوات أو في الأرض ?
(وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم). .
والزرع مورد الرزق الأول , ومصدر النعمة الظاهر . والمطر والإنبات كلاهما يتبع السنة التي فطر الله عليها هذا الكون , ويتبع الناموس الذي يسمح بنزول المطر وإنبات الزرع وخروج الثمر , وموافقة هذا كله للإنسان . وإنبات حبة واحدة يحتاج إلى القوة المهيمنة على هذا الكون كله لتسخر أجرامه وظواهره في إنبات هذه الحبة وإمدادها بعوامل الحياة من تربة وماء وأشعة وهواء . . والناس يسمعون كلمة "الرزق" فلا يتبادر إلى أذهانهم إلا صورة الكسب للمال . ولكن مدلول "الرزق" أوسع من ذلك كثيرا , وأعمق من ذلك كثيرا . . إن أقل "رزق" يرزقه الكائن الإنساني في هذا الكون يقتضي تحريك أجرام هذا الكون وفق ناموس يوفر مئات الآلاف من الموافقات المتواكبة المتناسقة التي لولاها لم يكن لهذا الكائن ابتداء وجود ; ولم تكن له بعد وجوده حياة وامتداد . ويكفي ما ذكر في هذه الآيات من تسخير الأجرام والظواهر ليدرك الإنسان كيف هو مكفول محمول بيد الله . .
(وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره). .
بما أودع في العناصر من خصائص تجري الفلك على سطح الماء ; وبما أودع في الإنسان من خصائص يدرك بها ناموس الأشياء ; وكلها مسخرة بأمر الله للإنسان .
(وسخر لكم الأنهار). .
تجري فتجري الحياة , وتفيض فيفيض الخير , وتحمل ما تحمل في جوفها من أسماك وأعشاب وخيرات . . كلها للإنسان ولما يستخدمه الإنسان من طير وحيوان . .
و سخر لكم الشمس والقمر دائبين . . لا يستخدمهما الإنسان مباشرة كما يستخدم الماء والثمار والبحار والفلك والأنهار . . ولكنه ينتفع بآثارهما ,ويستمد منهما مواد الحياة وطاقاتها . فهما مسخران بالناموس الكوني ليصدر عنهما ما يستخدمه هذا الإنسان في حياته ومعاشه بل في تركيب خلاياه وتجديدها .
(وسخر لكم الليل والنهار). .
سخرهما كذلك وفق حاجة الإنسان وتركيبه , وما يناسب نشاطه وراحته . ولو كان نهار دائم أو ليل دائم لفسد جهاز هذا الإنسان ; فضلا على فساد ما حوله كله , وتعذر حياته ونشاطه وإنتاجه .
وليست هذه سوى الخطوط العريضة في صفحة الآلاء المديدة . ففي كل خط من النقط ما لا يحصى . ومن ثم يضم إليها على وجه الإجمال المناسب للوحة المعروضة وللجو الشامل:
(وآتاكم من كل ما سألتموه). . من مال وذرية وصحة وزينة ومتاع . . . (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها). .
فهي أكبر وأكثر من أن يحصيها فريق من البشر , أو كل البشر . وكلهم محدودون بين حدين من الزمان:بدء ونهاية . وبين حدود من العلم تابعة لحدود الزمان والمكان . ونعم الله مطلقة - فوق كثرتها - فلا يحيط بها إدراك إنسان . .
وبعد ذلك كله تجعلون لله أندادا , وبعد ذلك كله لا تشكرون نعمة الله بل تبدلونها كفرا . . (إن الإنسان لظلوم كفار)!!!
الدرس الثالث:35 - 41 إبراهيم الرسول الشاكر وبناء البيت الحرام
وحين يستيقظ ضمير الإنسان , ويتطلع إلى الكون من حوله , فإذا هو مسخر له , إما مباشرة , وإما بموافقة ناموسه لحياة البشر وحوائجهم ; ويتأمل فيما حوله فإذا هو صديق له برحمة الله , معين بقدرة الله الله , ذلول له بتسخير الله . . حين يستيقظ ضمير الإنسان فيتطلع ويتأمل ويتدبر . لا بد يرتجف ويخشع ويسجد ويشكر , ويتطلع دائما إلى ربه المنعم:حين يكون في الشدة ليبدله منها يسرا , وحين يكون في الرخاء ليحفظ عليه النعماء .
والنموذج الكامل للإنسان الذاكر الشاكر هو أبو الأنبياء . إبراهيم . الذي يظلل سمته هذه السورة , كما تظللها النعمة وما يتعلق بها من شكران أو كفران . . ومن ثم يأتي به السياق في مشهد خاشع , يظلله الشكر , وتشيع فيه الضراعة , ويتجاوب فيه الدعاء , في نغمة رخية متموجة , ذاهبة في السماء .
(وإذ قال إبراهيم:رب اجعل هذا البلد آمنا , واجنبني وبني أن نعبد الأصنام . رب إنهن أضللن كثيرا من الناس , فمن تبعني فإنه مني ; ومن عصاني فإنك غفور رحيم . ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم , ربنا ليقيموا الصلاة , فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم , وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون . ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن , وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء . الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق , إن ربي لسميع الدعاء . رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي , ربنا وتقبل دعاء . ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب). .
إن السياق يصور إبراهيم - عليه السلام - إلى جوار بيت الله الذي بناه في البلد الذي آل إلى قريش , فإذا بها تكفر فيه بالله , مرتكنة إلى البيت الذي بناه بانيه لعبادة الله ! فيصوره في هذا المشهد الضارع الخاشع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق