وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)
بالقياس إلى الإنسان:خط السماوات والأرض . يتبعه خط الماء النازل من السماء والثمرات النابتة من الأرض بهذا الماء . فخط البحر تجري فيه الفلك والأنهار تجري بالأرزاق . . ثم تعود الريشة إلى لوحة السماء بخط جديد . خط الشمس والقمر . فخط آخر في لوحة الأرض متصل بالشمس والقمر:خط الليل والنهار . . ثم الخط الشامل الأخير الذي يلون الصفحة كلها ويظللها:
(وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها). .
إنه الإعجاز الذي تتناسق فيه كل لمسة وكل خط وكل لون وكل ظل . في مشهد الكون ومعرض الآلاء .
أفكل هذا مسخر للإنسان ? أفكل هذا الكون الهائل مسخر لذلك المخلوق الصغير ? السماوات ينزل منها الماء , والأرض تتلقاه , والثمرات تخرج من بينهما . والبحر تجري فيه الفلك بأمر الله مسخرة . والأنهار تجري بالحياة والأرزاق في مصلحة الإنسان . والشمس والقمر مسخران دائبان لا يفتران . والليل والنهار يتعاقبان . . أفكل أولئك للإنسان ? ثم لا يشكر ولا يذكر ?
(إن الإنسان لظلوم كفار)!
الله الذي خلق السماوات والأرض . .
وبعد ذلك يجعلون لله أندادا , فكيف يكون الظلم في التقدير , والظلم في عبادة خلق من خلقه في السماوات أو في الأرض ?
(وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم). .
والزرع مورد الرزق الأول , ومصدر النعمة الظاهر . والمطر والإنبات كلاهما يتبع السنة التي فطر الله عليها هذا الكون , ويتبع الناموس الذي يسمح بنزول المطر وإنبات الزرع وخروج الثمر , وموافقة هذا كله للإنسان . وإنبات حبة واحدة يحتاج إلى القوة المهيمنة على هذا الكون كله لتسخر أجرامه وظواهره في إنبات هذه الحبة وإمدادها بعوامل الحياة من تربة وماء وأشعة وهواء . . والناس يسمعون كلمة "الرزق" فلا يتبادر إلى أذهانهم إلا صورة الكسب للمال . ولكن مدلول "الرزق" أوسع من ذلك كثيرا , وأعمق من ذلك كثيرا . . إن أقل "رزق" يرزقه الكائن الإنساني في هذا الكون يقتضي تحريك أجرام هذا الكون وفق ناموس يوفر مئات الآلاف من الموافقات المتواكبة المتناسقة التي لولاها لم يكن لهذا الكائن ابتداء وجود ; ولم تكن له بعد وجوده حياة وامتداد . ويكفي ما ذكر في هذه الآيات من تسخير الأجرام والظواهر ليدرك الإنسان كيف هو مكفول محمول بيد الله . .
(وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره). .
بما أودع في العناصر من خصائص تجري الفلك على سطح الماء ; وبما أودع في الإنسان من خصائص يدرك بها ناموس الأشياء ; وكلها مسخرة بأمر الله للإنسان .
(وسخر لكم الأنهار). .
تجري فتجري الحياة , وتفيض فيفيض الخير , وتحمل ما تحمل في جوفها من أسماك وأعشاب وخيرات . . كلها للإنسان ولما يستخدمه الإنسان من طير وحيوان . .
و سخر لكم الشمس والقمر دائبين . . لا يستخدمهما الإنسان مباشرة كما يستخدم الماء والثمار والبحار والفلك والأنهار . . ولكنه ينتفع بآثارهما ,ويستمد منهما مواد الحياة وطاقاتها . فهما مسخران بالناموس الكوني ليصدر عنهما ما يستخدمه هذا الإنسان في حياته ومعاشه بل في تركيب خلاياه وتجديدها .
(وسخر لكم الليل والنهار). .
سخرهما كذلك وفق حاجة الإنسان وتركيبه , وما يناسب نشاطه وراحته . ولو كان نهار دائم أو ليل دائم لفسد جهاز هذا الإنسان ; فضلا على فساد ما حوله كله , وتعذر حياته ونشاطه وإنتاجه .
وليست هذه سوى الخطوط العريضة في صفحة الآلاء المديدة . ففي كل خط من النقط ما لا يحصى . ومن ثم يضم إليها على وجه الإجمال المناسب للوحة المعروضة وللجو الشامل:
(وآتاكم من كل ما سألتموه). . من مال وذرية وصحة وزينة ومتاع . . . (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها). .
فهي أكبر وأكثر من أن يحصيها فريق من البشر , أو كل البشر . وكلهم محدودون بين حدين من الزمان:بدء ونهاية . وبين حدود من العلم تابعة لحدود الزمان والمكان . ونعم الله مطلقة - فوق كثرتها - فلا يحيط بها إدراك إنسان . .
وبعد ذلك كله تجعلون لله أندادا , وبعد ذلك كله لا تشكرون نعمة الله بل تبدلونها كفرا . . (إن الإنسان لظلوم كفار)!!!
الدرس الثالث:35 - 41 إبراهيم الرسول الشاكر وبناء البيت الحرام
وحين يستيقظ ضمير الإنسان , ويتطلع إلى الكون من حوله , فإذا هو مسخر له , إما مباشرة , وإما بموافقة ناموسه لحياة البشر وحوائجهم ; ويتأمل فيما حوله فإذا هو صديق له برحمة الله , معين بقدرة الله الله , ذلول له بتسخير الله . . حين يستيقظ ضمير الإنسان فيتطلع ويتأمل ويتدبر . لا بد يرتجف ويخشع ويسجد ويشكر , ويتطلع دائما إلى ربه المنعم:حين يكون في الشدة ليبدله منها يسرا , وحين يكون في الرخاء ليحفظ عليه النعماء .
والنموذج الكامل للإنسان الذاكر الشاكر هو أبو الأنبياء . إبراهيم . الذي يظلل سمته هذه السورة , كما تظللها النعمة وما يتعلق بها من شكران أو كفران . . ومن ثم يأتي به السياق في مشهد خاشع , يظلله الشكر , وتشيع فيه الضراعة , ويتجاوب فيه الدعاء , في نغمة رخية متموجة , ذاهبة في السماء .
(وإذ قال إبراهيم:رب اجعل هذا البلد آمنا , واجنبني وبني أن نعبد الأصنام . رب إنهن أضللن كثيرا من الناس , فمن تبعني فإنه مني ; ومن عصاني فإنك غفور رحيم . ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم , ربنا ليقيموا الصلاة , فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم , وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون . ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن , وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء . الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق , إن ربي لسميع الدعاء . رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي , ربنا وتقبل دعاء . ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب). .
إن السياق يصور إبراهيم - عليه السلام - إلى جوار بيت الله الذي بناه في البلد الذي آل إلى قريش , فإذا بها تكفر فيه بالله , مرتكنة إلى البيت الذي بناه بانيه لعبادة الله ! فيصوره في هذا المشهد الضارع الخاشع
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق